( بسم الله الرحمن الرحيم )
اليكم هذه القصة اتمنى ان تنال اعجابكم
( رحلة الأحزان )
" قصة "
الحلقة الأولى
وترك الدمع ..ينزف من مقلتيه ..
حافرًا على وجهه مجرى ..
لنهر الزمن ..
ومسارًا..
لرحـلـة الأحــزان ..
******
_ مبروك يا أستاذ "حمـد".. ولد ..
انتفض "حمد" عند سماعه لهذه الكلمة، وقفز من كرسيه واقفًا، في ذلك المستشفى الكبير، ليختطف ابنه الوليد من بين يدي الممرضة، التي أخذت ترمقه في سعادة، وهو يتطلع لابنه بانبهار وفرح قائلاً :
_ سبحان الله العظيم.. سبحان الخالق.. ما كل هذه الوسامة يا "ياسر" ؟ هيا حدثني إنني أحترق شوقًا لسماع صوتك..
أخبرني .. هل ضقت ذرعًا بالانتظار داخل رحم والدتك ؟ هل كانت ( غرفة نومك ) بالداخل، هل كانت مظلمة ؟؟
أخبرني أيها الولد .. أين هي والدتك ؟ أخبرني هيا..
قالت له الممرضة وهي تأخذ منه الوليد :
_ لا تستعجل كلامه يا سيدي.. أما والدته، فيمكنك أن تدخل لتراها ..
لكن لا تجعلها تكثر من الحديث .. فهي لا تزال مرهقة ..
رمق "حمد" ابنه بنظرة لهفة، ثم انطلق مسرعًا لرؤية زوجته، وقد شملت ابتسامته وجهه فرحًا..
من يلومه ؟ فـ"ياسر" هو ابنه الأول على كل حال !!
******
( ورحلت الأيام )
_ "ياسر".. لا تكن فظًا مع أخيك الصغير .. هيا قم واعتذر منه .. وأعطه ما يريد من ألعابك ..
قال "ياسر" في غضب طفولي وهو يتطلع لأبيه وأخيه معًا :
_ ولكنه يا أبي يمتلك مثلها.. فلما رآني ألعب بها، جاء لكي يأخذها مني.. هذه عاداته.. لن أعطيه لعبتي ..
قام "حمد" غاضبًا، وضرب "ياسر" على ظهره وهو يأخذ منه تلك اللعبة، قبل أن يعطيها لشقيقه قائلاً :
_ قم يا غبي وأعطه ما يريد .. هيا يا وجه المصائب ! هيا ولا أريد أن أسمع أنك قد أغضبت "باسم" في يوم من الأيام .. هيا ..
قام "ياسر" وهو يمسح دمعة فرت من عينه، وخلفه يمشي شقيقه الصغير "باسم"، وعلى وجهه ابتسامة طفولية متشفية .. قبل أن تهمس أم "ياسر" لزوجها قائلةً :
_ "حمد" ألا ترى أنك بت تقسو كثيرًا على "ياسر" رغم أنه الأكبر؟ ثم لماذا هذا الدلال الزائد لـ"باسم" ؟ ألا ترى أنك بهذه الطريقة تفسده، وتجعل شقيقه يكرهه ؟؟ صدقني يا "حمد" أني بت لا أحتمل أن أراك يوميًا تواصل ضغطك على "ياسر" .. يجب أن تفكر في ذلك .. ألست معي ؟؟
تنهد "حمد" بعمق، قبل أن يزفر ليقول :
_ بلى.. إني أعلم أنني أقسو كثيرًا على "ياسر"، لكن صدقيني هذا ليس بيدي .. وأنتِ تعلمين أن هذا ليس أمرًا جديدًا، فمنذ أن ولد "ياسر" وأنا أخسر أموالي بشكلٍ كاد أن يمسح اسمي عن ساحة التجار.. وأنت تعلمين ما يمثله لي عملي واسمي داخل السوق.. لكن منذ أن رزقنا الله جل وعلا بـ"باسم"، وأحوالي المادية بدأت بالتحسن، بل أن ثروتي زادت عما كانت عليه، فربحت صفقات بشكل لم يحدث لي في كل حياتي.. ومنذ ذلك الحين وأنا أعتبر قدوم "ياسر" _ واعذريني لهذه الكلمة _ مصيبة على عملي، غير أن شقيقه كان بمثابة بشائر الخير المتتالية ولذا..
قاطعته زوجته وهي تقول :
_ "حمد" اتق الله، فكل ما يصيبك إنما هو من عند الله ..
ثم قهقهت ضاحكةً قبل أن تقول :
_ أتمنى ألا يسمعك أحد وأنت تقول مثل هذا الكلام .. كي لا يسخر منك.. أصدقني القول.. هل كنت تتكلم جادًا حقًا ؟؟
انعقد حاجبا "حمد" في غضب وهو يطالعها صامتًا.. ومعنى هذا أنه كان جادًا.. حقاً !
******
_ أهلاً بك يا عم "أحمد".. هل حضر معك "خالد" و"شدن" ؟
ابتسم الدكتور "أحمد" صديق "حمد" العزيز، وهو يقول لـ"ياسر" :
_ أهلاً بك يا "ياسر" يا بني العزيز.. إن "شدن" و"خالد" ينتظرانك في الخارج ..
اتسعت ابتسامة "ياسر" الصغير وهو يقول :
_ شكرًا يا عمي ..
انطلق "ياسر" للخارج، في حين رحب "حمد" بضيفه، وهو يدعوه للجلوس، قبل أن يقول وهو يمد لضيفه ( فنجالاً ) من القهوة العربية :
_ كيف حالك يا دكتور.. وما حال ضيفك الجديد.. أعني "خالد" .. ماذا فعل ؟
تنهد الدكتور "أحمد" وهو يقول :
_ كما ترى يا "حمد"، أنا أحاول أن أسري عنه منذ مصابه بوفاة أبيه، فمنذ وفاة أخي وابنه "خالد" يظهر ثباتًا أكبر من سنوات عمره السبع .. لقد أحضرته ليجلس معي خلال هذه الإجازة، ليتسلى بعيدًا عن بيته، وعلى كل حال فـ"خالد" ولد مؤدب .. كما أنه يسلى ابنتي "شدن" فأنت تعلم وحدتها بعد موت أمها رحمها الله.. ولذلك أحضرته معي و"شدن" ليلعبوا مع "ياسر".. لكن ما آخر أخبارك أنت يا أبا "ياسر" ؟
******
(( ورحلت الأيام ))
_ هل تعلم يا "باسم" أنني قد أتممت عامي التاسع عشر ؟ يا لسرعة هذه الأيام ..
تطلع "باسم" لـ"ياسر" في سخرية، وقال :
_ وهل تعلم أنت يا "ياسر" أنني سأتم وبعد شهرين من الآن عامي السابع عشر؟ لكني لا أحس بسرعة الأيام مثلما تحس بها أنت .. هل تعلم لماذا ؟ لأنني آخذ من يومي كل سعادة ممكنةٍ دون أن أُحمل نفسي هماً لشيء.. أحمل مالاً كما أريد.. أشتري ما أريد.. هذه هي الحياة السعيدة .. المال يصنع لي كل سعادة أريدها.. وأي سعادة بعد أن تعيش في قصرٍ كهذا ؟؟
نظر له "ياسر" طويلاً..قبل أن يقول بهدوء :
_ هل تقول ذلك لتبرر بقائك إلى الآن في الصف الأول المتوسط ؟؟
صرخ "باسم" بغضب قائلاً :
_ أنت تعلم يا "ياسر" أن الدراسة لا تهمني.. وأني إنما أقصد المدرسة لرؤية أصدقائي فقط..
هل تفهم ؟؟
أطرق "ياسر" برهة.. ثم رفع رأسه ليقول بهدوء :
_ أنت تعلم يا شقيقي أنني لا أقصد إهانتك، إنما أريد مناقشة فكرتك ليس إلا.. فلو كان أن ما تقوله صحيح.. فأنت تحكم على الفقير _ الذي لا يستطيع أن يشتري كل ما يريد _ بتعاسةٍ دائمة !! اسمع يا أخي، اسمع هذه الكلمة من أخيك الأكبر.. كلمة قد لا تفهمها الآن أو تلقي لها بالاً.. إن الحياة يا أخي، ما هي إلا رحلة طويلة، تمر فيها بالعديد من المحطات، فإما أن تقف فيها.. أو تمر وترحل عنها.. ومن هذه المحطات يا "باسم" لابد من أن ترى المحطة الباسمة السعيدة، التي تجبرك على الابتسام والضحك.. ولا بد من أن تمر بمحطات تجبرك على البكاء ونثر الدموع هنا وهناك.. لكن المهم أن تعلم يقينًا بأن هذا هو قدرك، وليس في وسعك تغييره.. ولتكن روحك دومًا سعيدةً راضيةً بما كتبه الله لها وعليها.. ولا تجعل ابتسامتك أو دمعتك، سوى غلافٍ لإطارٍ يقينيٍ برضا داخلي لكل ما تواجه ..
قال "باسم" في سخرية :
_ هل أصبحت طبيبًا نفسيًا ؟ أم أنك قد أصبحت فيلسوف عصرك ؟ لكن ماذا يا ذكي لو كانت كل محطات رحلتك حزينة.. باكية.. دامعة.. هل كنت ستضحك حين ذاك ؟؟
ابتسم "ياسر" بحنان قائلاً :
_ أراك قد تفوقت عليَّ.. وما أنا إلا تلميذٌ في مدرستك..
قاطعة "باسم" وعلى وجهه ابتسامة خبيثة :
_ أراك قد تهربت من السؤال يا "ياسر".. فلماذا ؟؟
رد "ياسر" بنفس ابتسامته :
_ لا أحد كل محطات حياته باكية.. وإن جاريتك وقلت أهم محطات حياته، فمعنى هذا أنه لا يثق في نفسه، وفي قدرته على مواجهة الأحزان.. وأنه رجل ضعيف و..
قاطعه "باسم" بسرعة قائلاً :
_ ألا يمكن أن يتعرض الإنسان لأحداثٍ أقوى منه ؟
ما إن أنهى عبارته، حتى اقتحم الغرفة عمهما "فالح"، وعلى وجهه أقسى علامات الفزع والقلق صائحًا :
_ "ياسر".. "ياسر" أسرع.. لقد حصل لوالديك حادث عنيف، تهشمت معه سيارتهما تمامًا، وهما الآن يرقدان في غرفة العمليات..
******
(( يتبع في الحلقة القادمة بإذن الله ))
ملاحظة :
لا أهدف إلى تعديل ما فيها وتصحيحه، بقدر ما أهدف إلى عرضها لأستفيد من أرائكم أيها الأحبة، في القادم من كتاباتي ..