أحكام صلاة المريض وطهاته من فـتاوى سماحة الشيخ/ عبد العزيز بن عبد الله بن باز
أحكام صلاة المريض وطهاته من فـتاوى سماحة الشيخ/ عبد العزيز بن عبد الله بن باز مفتي عام المملكة العربية السعودية سابقاً يرحمه الله رحمة واسعة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد صلى الله عليه وسلم . وبعد
فهذه كلمة مختصرة تتعلق ببعض أحكام وطهارة المريض وصلاته :
أولاً : كيفية الطهارة :-
لقد شرع الله سبحانه وتعالى الطهارة لكل صلاة ، فإن رفع الحدث وإزالة النجاسة سواءً من البدن أو الثوب أو المكان المصلى فيه – شرطان من شروط الصلاة . فإذا أراد المسلم الصلاة وجب عليه أن يتوضأ الوضوء المعروف من الحدث الأصغر أو يغتسل إن كان حدثه أكبر .
ولابد قبل الوضوء من الاستنجاء بالماء أو الاستجمار بالحجارة في حق من بال أو أتى الغائط لتتم الطهارة والنظافة .
وفيما يلي بعض الأحكام المتعلقة بذلك :
فالاستنجاء بالماء واجب لكل خارج من السبيلين ، كالبول ، والغائط .
وليس على من نام أو خرجت منه ريحاً استنجاء ، إنما عليه الوضوء لآن الاستنجاء إنما شرع لإزالة النجاسة ، ولا نجاسة هاهنا .
والاستجمار يكون بالحجارة أو ما يقوم مقامها ، ولابد فيه من ثلاثة أحجار طاهرة ، لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (من استجمر فليوتر) ولقوله صلى الله عليه وسلم أيضاً : ( إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة أحجار فإنها تجزي عنه ) رواه أبو داود .
ولنهيه صلى الله عليه وسلم ، عن الاستجمار بأقل من ثلاث أحجار، رواه مسلم .
ولا يجوز الاستجمار بالروث والعظام والطعام وكل ماله حرمة ، والأفضل أن يستجمر الإنسان بالحجارة والمناديل ثم يتبعها بالماء ، لأن الحجارة تزيل عين النجاسة ، والماء يطهر المحل ، فيكون أبلغ . والإنسان مخير بين الاستنجاء بالماء أو الاستجمار بالحجارة وما شابهها . عن أنس رضي اله عنه قال : ( كان النبي صلى الله عليه وسلم يدخل الخلاء فأحمل أنا وغلام نحوي إداوة من ماء وعنزة فيستنجي بالماء ) متفق عليه .
وعن عايشة رضي الله عنها أنها قالت لجماعة من النساء : ( مرن أزواجكن أن يستطيبوا بالماء فإني أستحييهم ، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفعله ) قال الترمذي هذا حديث صحيح .
وإن أراد الاقتصار على أحدهما فالماء أفضل ، لأنه يطهر المحل ويزيل العين والأثر وهو أبلغ في التنظيف ، وإن أقتصر على الحجر أجزاه ثلاث حجار إذا نقى بهن المحل ، فإن لم تكف زاد أربعاً وخمساً حتى ينقي المحل ، والأفضل أن يقطع على وتر ، لقوله صلى الله عليه وسلم : ( من استجمر فليوتر )
ولا يجوز الاستجمار باليد اليمنى ، لقول سلمان في حديثه ( نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يستنجي أحدنا بيمينه ) ولقوله صلى الله عليه وسلم ( لايمسكن أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول ولايتمسح من الخلاء بيمينه )
وإن كان أقطع اليسرى أو بها كسر أو مرض أو نحوهما استجمر بيمينه للحاجة ولاحرج في ذلك .
وبما أن الشريعة الإسلامية مبنية على اليسر والسهولة ، فقد خفف الله سبحانه وتعالى عن أهل الأعذار عباداتهم بحسب أعذارهم ، ليتمكنوا من عبادته تعالى بدون حرج ولا مشقة ، قال تعالى : ( وما جعل عليكم في الدين من حرج ) وقال تعالى : ( يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ) وقال تعالى : ( فاتقوا الله ما استطعتم ) وقال النبي صلى الله عليه وسلم ( إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم ) وقال : ( إن الدين يسر )
فالمريض إذا لم يستطع التطهر بالماء بأن يتوضأ من الحدث الأصغر أو يغتسل من الحدث الأكبر لعجزه أو خوفه من زيادة المرض أو تأخر برائه فإنه يتيمم ، وهو : أن يضرب بيده على التراب الطاهر ضربة واحدة فيمسح بباطن أصابعه ، وكفيه براحتيه ، لقوله تعالى : ( وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيداً طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم إن الله كان عفواً غفورا )
والعاجز عن استعمال الماء حكمه حكم من لم يجد الماء ، ولقوله صلى الله عليه وسلم لعمار بن ياسر : ( يكفيك أن تقول بيديك هكذا ) ثم ضرب بيده الأرض ضربة واحدة ثم مسح بهما وجهه وكفيه . ولايجوز إلا بتراب طاهر له غبار . ولا يصح التيمم إلا بنية ، لقوله صلى الله وسلم ( إنما العمال بالنيات وإنما لكل أمرئ ما نوى )
وللمريض عدة حالات :
1- إن كان مرضه يسيراً لا يخاف من استعمال الماء معه تلفاً ولا مرضاً مخوفاً ولا إبطاء براء ولا زيادة ألم ولا شيئاً فاحشا ، وذلك كالصداع ومرض الضرس ونحوها أو من يمكنه استعمال الماء الدافئ ولا ضرر عليه ولأنه واجد الماء فوجب عليه استعماله .
2- وإن كان به مرض يخاف معه تلف النفس أو تلف عضو أو حدوث مرض يخاف معه تلف النفس أو فوات منفعة فهذا يجوز له التيمم ، لقوله تعالى : ( ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما )
3- وإن كان به مرض لا يقدر معه على الحركة ولا يجد من يناوله الماء جاز له التيمم . فإن كان لا يستطيع التيمم يممه غيره وإن تلوث بدنه أو ملابسه أو فراشه بالنجاسة ولم يستطع إزالة النجاسة أو التطهر منها ، جاز له الصلاة على حالته التي هو عليها ، لقوله سبحانه وتعالى ( فاتقوا الله ما استطعتم ) ولايجوز له تأخير الصلاة عن وقتها بأي حال من الأحوال بسبب عجز عن الطهارة أو إزالة النجاسة .
4- من به جروح أو قروح أو كسر أو مرض يضره استعمال الماء فأجنب – جاز له التيمم للأدلة السابقة ، وإن أمكنه غسل الصحيح من جسمه وجب عليه ذلك وتيمم للباقي .
5- مريض في محل لم يجد ماءً ولا تراباً ولا ن يحضر له الموجود منهما صلى على حسب حالته ، وليس له تأخير الصلاة عن وقتها ، لقوله سبحانه وتعلى ( فاتقوا الله ما استطعتم ) .
6- المريض المصاب بسلس البول ولم يبرأ بمعالجته ، عليه أن يتوضأ لكل صلاة بعد دخول وقتها ، ويغسل ما يصيب بدنه وثوبه ، ويجعل للصلاة ثوباً طاهراً ، إن لم يشق عليه ذلك ، وإلا عفي عنه ؛ لقوله تعالى ( وما جعل عليكم في الدين من حرج ) وقوله تعالى (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ) وقوله صلى الله عليه وسلم ( إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم ) ويحتاط لنفسه احتياطاً يمنع انتشار البول في ثوبه أو جسمه أو مكان صلاته . وما خرج في الوقت من البول فلا يضره بعد وضوئه إذا دخل الوقت . ويبطل التيمم ما يبطل الوضوء ، وبالقدرة على استعمال الماء ، والله أعلم .
ثانياً : كيفية صلاة المريض :-
أجمع أهل العلم على أن من لا يستطيع القيام له أن يصلي جالساً ، فإن عجز عن الصلاة جالساً فإنه يصلي على جنبه مستقبل القبلة بوجهه ، والمستحب أن يكون على جنبه الأيمن ، فأن عجز عن الصلاة على جنبه صلى مستلقياً ، لقوله صلى الله عليه وسلم لعمران بن حصين ( صل قائماً ، فأن لم تستطع فقاعداً ، فأن لم تستطع فعلى جنب ) رواه البخاري ، وزاد النسائي ( فأن لم تستطع فمتسلقياً ) .
ومن قدر على القيام وعجز عن الركوع أو السجود لم يسقط عنه القيام ، بل يصلي قائماً فـيـومئ بالـركـوع ، ثم يجـلس ويـومئ بالسجـود ، لقـوله تعالى ( وقوموا لله قانتين ) وقوله صلى الله عليه وسلم ( صل قائما ) ولعموم قوله تعالى ( فاتقوا الله ما استطعتم )
وإن كان بعينه مرض ، فقال ثقات من علماء الطب : إن صليت مستلقياً أمكن مداواتك وإلا فلا – فله أن يصلي مستلقياً . ومن عجز عن الركوع والسجود وأومأ بهما ويجعل السجود أخفض من الركوع ، وإن عجز عن السجود وحده ركع وأومأ بالسجود ، وإن لم يمكنه أن يحني ظهره متقوسا فصار كأنه راكع فمتى أراد الركوع زاد في انحنائه قليلاً ، ويقرب وجهه إلى الأرض في السجود أكثر ما أمكنه ذلك .
ومن لم يقدر على لإيماء برأسه كفاه النية والقول . ولا تسقط عنه الصلاة مادم عقله ثابتاً بأي حال من الأحوال ، للأدلة السابقة . ومتى ما قدر المريض في أثناء الصلاة على ما كان عاجز عنه من قيام أو قعود أو ركوع أو سجود أو إيماء انتقل إليه وبنى على ما مضى من صلاته .
وإذا نام المريض أو غيره عن صلاة أو نسيها وجب عليه أن يصليها حال استيقاظه من النوم أو حال ذكره لها ، ولايجوز له تركها إلى دخول وقت مثلها ليصليها فيه ، لقوله صلى الله عليه وسلم ( من نام عن صلاة أو نسيها فليصليها متى ذكرها ، لا كفارة لها إلا ذلك ) وتلا قوله تعالى ( أقم الصلاة لذكري ) .
ولايجوز ترك الصلاة بأي حال من الأحوال بل يجب على المكلف أن يحرص على الصلاة أيام مرضه أكثر من حرصه عليها أيام صحته . فلا يجوز له ترك المفروضة حتى يفوت وقتها ، ولو كان مريضاً مادام عقله ثابتاً ، بل عليه أن يؤديها في وقتها حسب استطاعته ، فإذا تركها عمداً وهو عاقل مكلف يقوى على أدائها ولو إيماءً فهو آثم ، وقد ذهب جمع من أهل العلم إلى كفره بذلك ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم ( العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر ) ولقوله صلى الله عليه وسلم ( رأس الأمر الإسلام ، وعموده الصلاة ، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله ) وقوله صلى اله عليه وسلم ( بين الرجل وبين الكفر والشرك ترك الصلاة ) أخرجه مسلم في صحيحه ، وهذا القول أصح للآيات القرآنية الواردة في شأن الصلاة والأحاديث المذكورة .
وإن شق عليه فعل كل صلاة في وقتها فله الجمع بين الظهر والعصر ، وبين المغرب والعشاء جمع تقديم أو جمع تأخير ، حسبما تيسر له ، إن شاء قدم العصر مع الظهر ، وإنشاء آخر الظهر مع العصر ، وإن شاء قدم العشاء مع المغرب ، وإن شاء أخر المغرب مع العشاء أما الفجر فلا تجمع مع ما قبلها ولا لما بعدها ، لأن وقتها منفصل عما قبلها وعما بعدها .
هذا ما يتعلق بأحوال المريض في طهارته وصلاته :
وأسال الله سبحانه وتعالى أن يشفي مرضى المسلمين ، ويكفر سيئاتهم ، وأن يمن علينا جميعاً بالعفو والعافية في الدنيا والآخرة إنه جواد كريم . وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين ، وأتباعه بإحسان إلى يوم .
مفتي عام المملكة العربية السعودية سابقاً
عبد العزيز بن عبد الله بن باز يرحمه الله
|